الدكتور قتيبة الرفاعي | من الإحصاء والذكاء الصناعي إلى رسم ملامح ريادة الأعمال في سوريا | بصمة ريادية
التاريخ: 2025-11-29
الضيف: قتيبة الرفاعي

في كل منظومة ريادية، هناك عقول لا تكتفي بإطلاق مشروع أو شركة، بل تحاول أن تغيّر طريقة التفكير نفسها. أرى نفسي واحدًا من هذه العقول؛ شابًا سوريًا يتحرك بين الإحصاء والذكاء الصناعي والإدارة وريادة الأعمال، ليس بدافع حشد الألقاب، بل بدافع أن أكون "جزءًا من الحل" كما أحب أن أصف نفسي.
قبل أي لقب أكاديمي أو مهني، أرى نفسي شابًا يحاول أن يحوّل التحديات التي مرّ بها جيله إلى دافع للتعلّم والعمل، وأن يشارك المعرفة مع أكبر عدد ممكن من الشباب السوري والعربي. أحب بناء البيئات الإيجابية، وأرى في كل فكرة بسيطة مشروعًا محتملًا إذا أُحيط بالمعرفة الصحيحة والجدية في التنفيذ.
جذور أكاديمية متنوعة… برؤية واحدة
دراسة الإحصاء والذكاء الصناعي والإدارة قد تبدو مسارات متباعدة للبعض، لكنها بالنسبة لي كانت تعبيرًا عن طريقة تفكيري. الإحصاء منحني القدرة على قراءة الواقع كما هو، بالأرقام لا بالانطباعات. الذكاء الصناعي فتح أمامي باب تحويل المعرفة إلى أدوات ونماذج قادرة على تقديم حلول عملية. أما الإدارة فكانت الجسر الذي جعل هذا كله قابلًا للتطبيق في الشركات والمشاريع.
تعدد تجاربي الأكاديمية بين تركيا وبريطانيا عمّق هذه الرؤية. في تركيا، لمستُ بيئة تشبه واقع منطقتنا: طموح كبير، تحديات يومية، ومساحات يتعلم فيها الشباب كيف يبدأون من نقطة بسيطة جدًا. في بريطانيا، واجهتُ نموذجًا مختلفًا لإدارة المعرفة والابتكار؛ بيئة بحثية عميقة، ومؤسسات تنظر للعالم بعقلية شاملة، حيث يتحول البحث العلمي إلى شركات ومنتجات وخدمات.
الجمع بين التجربتين أعطاني منظورًا مزدوجًا: فهمًا لصعوبات المنطقة، وقدرة على رؤية كيف يمكن تكييف أفضل الممارسات العالمية مع السياق السوري والعربي.
الشرارة التي نقلت الفكرة إلى مشروع
تأسيس شركتي الأولى لم يكن قرارًا مفاجئًا، بل نتيجة تراكم طويل من التجارب. لكنني أذكر لحظة محددة اعتبرتها نقطة تحول: أثناء عملي على مشروع بحثي، أدركت أن نموذجًا نظريًا بسيطًا يمكن أن يتحول إلى خدمة يحتاجها الناس فعلًا. في تلك اللحظة شعرت أن الانتظار لم يعد منطقيًّا؛ الموارد لم تكن كاملة، والظروف لم تكن مثالية، لكن قناعتي كانت واضحة: الفرصة لا تأتي جاهزة، بل تُخلق من قرار جريء في توقيت غير مريح.
هذا الوعي قادني إلى الخروج من إطار الباحث الذي يكتفي بالتحليل، إلى إطار الريادي الذي يحاول أن يحوّل الأفكار والنماذج إلى منتجات قابلة للحياة في السوق، ولو بدأت صغيرة.
ريادي سوري في الخارج… تحديات الانطلاق وهوية الحضور
الانطلاق كرائد أعمال سوري في الخارج لم يكن طريقًا سهلاً. واجهتُ تحديات على أكثر من مستوى: الإحساس بالغربة عن بيئة عمل لها قواعد غير مكتوبة، غياب شبكة العلاقات الجاهزة، وأحيانًا نظرة مسبقة تقلّل من قدرة القادم من بلد يعيش أزمات متراكمة على تقديم شيء مختلف.
طريقتي في مواجهة هذه التحديات كانت بالعمل الهادئ المتراكم؛ تركتُ مساحة لعملي كي يتحدث عني، بدل الانشغال الدائم بتبرير الذات. ومع مرور الوقت، تحولت هذه الجهود إلى ثقة أوسع: ثقة ذاتية أولًا، ثم ثقة من شركاء وعملاء رأوا أن القيمة لا تُقاس بجنسية أو جغرافيا، بل بما يُقدَّم على الأرض من حلول ومعرفة.
هناك مشروع بعينه مثّل نقطة تحول في مسيرتي؛ ليس بسبب الأرباح، بل لأنه أجبرني على مواجهة أسئلتي الصعبة: كيف أُدير الوقت؟ كيف أتخذ القرارات الصعبة؟ كيف أبني الفريق؟ ومتى يجب أن أتخلى عن فكرة الكمال لصالح التقدّم المتدرّج؟ بعد تلك التجربة، لم يعد النجاح هدفًا منفصلًا عن التعلّم، بل أصبح جزءًا من رحلة أوسع يتراكم فيها الفهم والخبرة مع كل خطوة.
ريادة الأعمال كرسالة… لا كعنوان وظيفي
من يتابع عملي يلاحظ أنني أتحرك بين الذكاء الصناعي، والتحليل الاقتصادي، والاستشارات الاستراتيجية. ورغم تنوع هذه المساحات، إلا أن هناك خيطًا واحدًا يربطها في نظري: مساعدة الأفراد والمؤسسات على اتخاذ قرارات أفضل.
سواء كنت أعمل على نموذج ذكاء صناعي، أو أكتب تحليلًا اقتصاديًّا، أو أقدّم استشارة، فهدفي الأساسي أن أقدّم قيمة حقيقية تجعل الطريق أوضح، والهامش المتاح للخطأ أقل، ومساحة النمو أكبر. في رؤيتي، دور الريادي اليوم لا يقتصر على إطلاق شركة جديدة؛ بل على خلق حلول تجعل حياة الآخرين أكثر بساطة ووضوحًا.
من هنا تأتي أهمية البيانات والذكاء الصناعي في نظري. ريادة الأعمال ليست سلسلة من القرارات العفوية، بل قرارات يومية تحتاج إلى نور تستند إليه. البيانات تمنح هذا النور، والذكاء الصناعي يضيف طبقة جديدة من الفهم، تجعل القرارات أسرع وأكثر انسجامًا مع سلوك المستخدمين وتحولات السوق. العمل بلا بيانات، في رأيي، يشبه قيادة سيارة في الليل من دون أضواء.
كما أرى أن الجمع بين البحث العلمي وريادة الأعمال أصبح ضرورة لا ترفًا. البحث يمنح المشروع جذورًا عميقة في فهم المشكلة والإنسان، والريادة تمنحه السرعة والقدرة على التكيف. وحيث يلتقي العمق مع السرعة، تولد الشركات التي تستطيع البقاء في السوق لسنوات طويلة.
سوريا الجديدة… خريطة طريق من زاوية ريادية
رؤيتي لسوريا الجديدة تتجاوز نطاق مشروع أو شركة. من خلال متابعتي للتجارب الدولية، أرى أن ريادة الأعمال يمكن أن تكون محركًا أساسيًا في إعادة البناء، إذا وُظفت بذكاء: من خلق فرص عمل محلية للشباب، مرورًا بإعادة تنشيط القطاعات التقليدية بإدخال التكنولوجيا وأساليب التسويق الجديدة، ووصولًا إلى جذب التمويل عبر مشاريع تحمل قيمة اجتماعية واقتصادية في آن واحد.
عندما أفكر في "خريطة طريق لريادة الأعمال في سوريا"، أضع عدة ركائز أساسية:
أولًا، بيئة آمنة تسمح للناس أن تحلم من جديد؛ أمان قانوني واجتماعي واقتصادي يجعل تعب سنة كاملة من العمل لا يضيع في يوم واحد.
ثانيًا، بنية تحتية رقمية حديثة تُدخل سوريا إلى العصر الجديد؛ إنترنت موثوق، أنظمة دفع رقمية، وتشريعات واضحة للتجارة الإلكترونية.
ثالثًا، تعليم يعيد تشكيل طريقة تفكير الشباب، فيتعلمون العمل الجماعي، والتفكير النقدي، وحل المشكلات، بدل الاكتفاء بثقافة انتظار الوظيفة.
رابعًا، منظومة دعم حقيقية: حاضنات، ومساحات عمل، وبرامج تمويل عادل وشفاف تتيح الفرصة لمن لا يملكون رأس مال.
وأضيف ركيزة خامسة أعتبرها الأعمق: الإيمان بأن التغيير ممكن، وأن سوريا يمكن أن تنهض من جديد عبر مبادرات صغيرة يقودها شباب لم يفقدوا الأمل.
رسالة مفتوحة للشباب السوري
عندما أُسأل عن نصيحتي للشباب السوريين الراغبين في دخول مجال ريادة الأعمال التقنية أو التحليلية، أختصر الكثير من الخبرة في مجموعة رسائل واضحة:
- لا تنتظروا الظروف المثالية؛ ابدأوا من حيث أنتم وبما تملكون.
النجاح لا ينتظر اكتمال الظروف، بل يبدأ بخطوات صغيرة في أوقات غير مثالية. - تعلّموا باستمرار.
التقنية تتغير بسرعة، وما هو متقدّم اليوم قد يصبح عاديًا غدًا؛ المهم أن تبقى عملية التعلّم مفتوحة دائمًا. - لا تحتقروا المشاريع الصغيرة.
كثير من الأفكار الكبيرة بدأت من مشكلة بسيطة في الحي أو من تجربة شخصية عابرة. - تعلّموا كيف تقدّمون أنفسكم.
المهارة التقنية وحدها لا تكفي؛ القدرة على التواصل، وبناء العلاقات، وشرح الفكرة بوضوح، عناصر لا تقلّ أهمية عن المعرفة الفنية. - لا تخجلوا من الفشل.
الفشل جزء طبيعي من الطريق وليس وصمة؛ بل هو دليل على المحاولة والتقدم، والبيئة الصحيحة من الناس تختصر سنوات من التيه. - خطّوا خطواتكم الأولى مبكرًا.
ولو عدتُ إلى البداية، لبدأت أبكر، ولسمحت لنفسي أن أخطئ في مرحلة مبكرة؛ فالأخطاء المبكرة أقل كلفة من الأخطاء المؤجلة. - لا تدعوا التردد يسرق سنواتكم.
التردد يأكل من الوقت والطاقة أكثر مما تفعل الأحلام نفسها. اتخذوا القرار وابدأوا التجربة.
في ريادة بلس، تُقدَّم تجربتي هنا كنموذج لروح ريادية تجمع بين العلم والعمل، بين البحث والتطبيق، وبين المحلية والعالمية؛ بصمة تؤكد أن الريادة ليست طريقًا مستقيمًا، بل مسارًا تتقاطع فيه المعرفة مع الشغف، لصناعة أثر حقيقي في سوريا الجديدة.
هذه المقابلة منشورة ضمن سلسلة "بصمة ريادية" على ريادة بلس.