فادي عمروش│ بين الاستقلالية والاقتصاد السلوكي والذكاء الاصطناعي │ بصمة ريادية
التاريخ: 2025-12-17
الضيف: فادي عمروش

إن تجربة الدكتور فادي عمروش تقدّم نموذجًا مختلفًا لرائد الأعمال في السياق السوري والعربي؛ نموذجًا يراهن على المعرفة والاقتصاد السلوكي، وعلى الريادة الفردية والذكاء الاصطناعي، وعلى الاستقلالية وبناء الأثر، أكثر مما يراهن على الألقاب والجوائز. وهي تدعو الشباب إلى قراءة هذه الرحلة كمساحة للتفكير الهادئ في معنى العمل، ومعنى الاستقلال، ومعنى أن نترك أثرًا حقيقيًا في حياة الناس.
من الألقاب إلى السؤال الأصعب: من أنا فعلاً؟
في عالم يُعلي من شأن الألقاب والمناصب، قد يبدو تقديم نفسي بجملة واحدة أمرًا بسيطًا. لكن بالنسبة لي، كان دائمًا سؤالًا مُربكًا: هل أعرّف نفسي بصفتي «استشاريًا في التحوّل الرقمي وبناء التدخّلات السلوكية»؟ أم أكتفي بكوني «دكتوراً» يحمل عدّة شهادات؟
مع الوقت، اكتشفت أن الألقاب لا تختصر الشخص ولا طريقه. لذلك صرت أفضّل تعريفًا أقرب لجوهر ما أفعل:
أنا مقدِّم حلول للشركات؛ أعمل على تصميم التدريبات والاستشارات، وبناء التدخّلات السلوكية التي تساعد المؤسسات على تحقيق أهدافها. أوجّه عملي نحو النتائج، لا نحو العناوين، وأرى نفسي اليوم أقرب ما أكون إلى ما يُسمّى رائد أعمال فردي (Solopreneur)؛ شخص يبني مصادر دخل متعددة، بدل التعلّق بمسمّى وظيفي واحد.
من شغف الاقتصاد… إلى مقعد الهندسة المعلوماتية
منذ سنوات المراهقة، كان شغفي الأول هو الاقتصاد. كنت أرى العالم من خلال أسئلته: كيف تتحرك الأسواق؟ كيف تُصنع الفرص؟ كيف تؤثّر القرارات الصغيرة في النتائج الكبيرة؟
لكن نظام القبول الجامعي في سوريا – كما في كثير من الدول النامية – يربط الاختصاص بالمعدّل، لا بالشغف. وبما أن علاماتي كانت مرتفعة، لم يكن من المقبول اجتماعيًا وأكاديميًا أن أذهب إلى كلية الاقتصاد. فكان الطريق «المنطقي» هو هندسة المعلوماتية.
دخلتُ هذا الاختصاص، لكن الاقتصاد لم يتركني. بعد التخرّج بدأت أبحث عن طريقة للجمع بين المجالين. في رسالة الماجستير الأولى، بدعم كبير من أستاذي د. أحمد بدر الدين الخضر، عملت على إدخال مفاهيم من الاقتصاد ضمن مشاريع الهندسة المعلوماتية.
لاحقًا حصلت على منحة دكتوراه في الاقتصاد السلوكي، وعملت على دمج نظم اتخاذ القرار (Decision-Making Systems) ضمن هذا الإطار، ثم أتممت ماجستيرًا ثانيًا في الاقتصاد. بهذه الرحلة الأكاديمية، أصبح الجمع بين المعلوماتية والاقتصاد ليس صدفة، بل خطًّا ناظمًا لمساري العلمي والمهني.
حين يغلق جواز السفر أبواب الوظائف
لو أردنا الحديث من زاوية إنسانية، فواحدة من اللحظات المفصلية في حياتي كانت مع اندلاع الثورة السورية. كنت على وشك إنهاء مرحلة الدكتوراه، وأمام خيارات مهنية واسعة نظريًا. لكن الواقع كان مختلفاً:
لم يكن لدي جواز سفر صالح ولا إقامة. هذه التفاصيل القانونية البسيطة كانت كافية لإغلاق أبواب العمل أمامي، مهما كانت الشهادات أو المهارات.
أذكر أنني وصلت إلى القائمة القصيرة لوظيفة مرموقة في إحدى مؤسسات الاتحاد الأوروبي، وكنت من بين أول ثلاثة مرشحين. بعد أسبوع من الانتظار، وصلني «اعتذار مهذّب»: لا يمكن الاستمرار في إجراءات التوظيف من دون جواز سفر ساري المفعول.
هناك فهمت أن الموضوع لا يتعلّق دائمًا بالكفاءة، بل بمنظومة كاملة من الشروط الخارجة عن إرادتنا. عند تلك النقطة، قررت أن أعيد بناء علاقتي مع العمل من جديد:
ألا أجعل الوظيفة مصدر الدخل الوحيد، بل وسيلة من الوسائل، وأن أتحوّل تدريجيًا إلى ريادة الأعمال الفردية، وبناء مصادر دخل مستقلة بقدر ما أستطيع.
صدمة الانتقال: من الملخصات إلى المراجع الثقيلة
الانتقال من سوريا إلى أوروبا كان بالنسبة لي صدمة معرفية قبل أن يكون انتقالًا جغرافيًا.
في سوريا، اعتدنا – غالبًا – أن ندرس من ملخّصات ومذكرات مختصرة، وكأن الهدف الوحيد من التعلّم هو اجتياز الامتحان. أما في أوروبا، فاكتشفت أن الدراسة الحقيقية تبدأ من الكتب والمراجع الأساسية التي تمتد لمئات الصفحات، وأن التعلّم يُنظر إليه كمسار طويل ومفتوح، لا كسباق قصير نحو علامة نهائية.
هذا الفارق غيّر علاقتي بالمعرفة:
لم تعد الشهادة هدفًا بحد ذاتها، بل نتيجة جانبية لمسار أوسع؛ مسار يقوم على القراءة العميقة، والبحث المستمر، والنقد الذاتي، وعلى اعتبار المعرفة استثمارًا طويل الأمد، لا خطوة عابرة نحو وظيفة.
قيمتان رافقتاني: الاستقلالية وبناء الأثر
إذا حاولت تلخيص القيم التي رافقتني في هذه الرحلة، فسأختار اثنتين:
الاستقلالية وبناء الأثر.
الاستقلالية ليست عزلة عن العالم، بل قدرة على اتخاذ القرار بدون خوف دائم من فقدان «الراتب الوحيد» أو «المسار الوحيد». أما الأثر، فهو السؤال الذي لا يغيب:
هل ما أفعله يترك فرقًا حقيقيًا في حياة الأفراد والمؤسسات؟ أم أنه مجرد حركة على السطح؟
الذكاء الاصطناعي بين الأداة الحقيقية و"بورنو المعرفة"
في السنوات الأخيرة، كثر الحديث عن الذكاء الاصطناعي، وتحوّل إلى بطل القصص التسويقية.
أنا أراه أداة تحوّلية حقيقية ستعيد تشكيل سوق العمل، لكن يرافقه قدر كبير من الضجيج، خصوصًا من بعض صانعي المحتوى الذين يقدّمون ما أسمّيه:
"بورنو المعرفة"؛ محتوى مثير، مبالغ فيه، يهوّل قدرات الذكاء الاصطناعي كأنه سحر، أو يقلّل من قيمته كأنه خدعة عابرة.
التمييز، في رأيي، يبدأ من فهم التقنية بهدوء:
النماذج اللغوية بحد ذاتها ليست الحل؛ ما يصنع الفارق هو وكلاء الذكاء الاصطناعي الذين يحوّلون الفكرة إلى نموذج أولي (Prototype)، يمكن تطويره لاحقًا مع المبرمجين إلى منتج متكامل.
أدوات مثل Manus وReplit، وغيرها من الوكلاء، غيّرت طريقة تصميم الحلول، وقرّبت التحوّل الرقمي من أرض الواقع، خصوصًا لمن يعمل في تقاطع التقنية مع السلوك البشري.
كيف دخل الاقتصاد السلوكي إلى قاعة التدريب؟
في عملي مع التدريب، لم أكن مهتمًا بتقديم محتوى «جيد» فقط؛ كنت أسأل دائمًا:
كيف نضمن أن المتدرّب يكمل رحلته التعليمية فعلاً، ولا يتوقف عند الدرس الأول أو الثاني؟
في تجاربي العملية مع برنامج "مهارات من جوجل"، حيث دربنا أكثر من 50 ألف ناطق بالعربية أونلاين، ومع Meta في الشهادة المعتمدة في التسويق الرقمي، ومع تصميم عشرات البرامج في مؤسسة Newveristy، اعتمدت على توظيف التدخّلات السلوكية (Nudges) لرفع نسب الإكمال إلى أكثر من 92٪.
استخدمت وسائل بسيطة في ظاهرها، لكنها مصممة بعناية:
- جعل التسجيل الافتراضي تلقائيًا.
- تفعيل التزام شخصي وجماعي عبر تعهد مبدئي.
- تغذية راجعة فورية تُظهر تقدّم المتدرّب مقارنة بزملائه.
- مكافآت رمزية (نقاط، شارات، إشارات تقدير).
- تقسيم المحتوى إلى وحدات قصيرة لتقليل الجهد المعرفي.
- تنبيهات في أوقات محسوبة، بدل رسائل عشوائية.
- ربط التدريب بهوية المتدرّب المهنية: "المتميزون ينجزون تدريبهم".
- إبراز نسب الإكمال العالية، لتفعيل قوة الدليل الاجتماعي.
كل هذه ليست إجراءات تقنية فقط، بل تدخّلات سلوكية تهدف إلى جعل السلوك المطلوب (إكمال التدريب) أسهل وأكثر تلقائية، دون ضغط أو إجبار مباشر.
تبنّي التكنولوجيا داخل المؤسسات… مسألة سلوك قبل أن تكون مسألة أدوات
عندما أعمل مع المؤسسات على التحوّل الرقمي، أجد أن السؤال ليس:
أي أداة نختار؟
بل: كيف ينظر الناس إلى هذه الأداة؟
أهم السلوكيات المرتبطة بتبنّي التكنولوجيا، في رأيي، تتعلّق بـ:
- المنفعة المتوقعة (Perceived Usefulness): هل تؤمن الفرق بأن الأداة ستسهّل عملها حقًا؟
- الجهد المتوقّع (Perceived Effort): هل يعتقدون أن استخدامها سهل أم مرهق؟
- التحيّز للمألوف (Status Quo Bias): ميل كثيرين للتمسّك بالأدوات القديمة، حتى لو كانت أقل كفاءة، لأنهم اعتادوها.
هنا يأتي دور التدريب والتأهيل والتعليم. لستُ من أنصار فرض الأدوات بالقوة؛ أرى أن بناء سلوكيات صحيحة تجاه التكنولوجيا يبدأ من فهم مخاوف الناس، وتحويل التجربة من تهديد إلى فرصة.
ماذا تعلّمت من أكثر من مئة ألف متدرّب؟
بعد العمل مع عشرات الآلاف من الشباب في برامج المهارات الرقمية، لاحظت قواسم مشتركة عند أولئك الذين تغيّرت حياتهم فعلاً.
أول هذه القواسم هو عقلية النمو (Growth Mindset):
هؤلاء لا يرون الفشل نهاية الرحلة، بل جزءًا من طريق التعلّم. يتعاملون مع المهارات الرقمية كمجال للتجربة، لا كحقل ألغام.
ثانيًا، لديهم فضول رقمي حقيقي؛ لا يكتفون بما يُقدّم في الدورة، بل يذهبون أبعد، يجربون أدوات لم تُذكر، ويبدؤون مشاريع صغيرة خاصة بهم، غالبًا خارج إطار الدراسة أو الوظيفة.
ثالثًا، يدركون القيمة الاقتصادية للمهارة؛ لا يرون التعلّم نشاطًا نظريًا، بل استثمارًا يمكن أن ينعكس على الدخل، أو على الموقع المهني، أو على القدرة على اختيار فرص جديدة.
المعرفة، التحوّل الشخصي، والفرص… علاقة مشروطة بعقلية واحدة
أؤمن أن العلاقة بين المعرفة والتحوّل الشخصي والفرص المهنية هي علاقة طردية، لكنها مشروطة بعقلية واحدة: عقلية النمو.
المعرفة وحدها لا تكفي. ما يصنع الفرق هو كيف يرى الفرد نفسه:
هل يرى أنه قادر على التعلّم، والتكيّف، وتغيير مساره إذا لزم الأمر؟
عندما تتوفر هذه العقلية، تتحوّل المعرفة من مجرد «معلومة» إلى أداة للتغيير؛ تغيّر السلوك، والعادات، والصورة الذاتية. ومن هنا تبدأ الفرص في الظهور: تتجدّد المهارات، وترتفع القيمة السوقية، وننتقل تدريجيًا من مطاردة الفرص إلى جذبها.
لماذا لا أتحمّس للنموذج الشائع للشركات الناشئة؟
رغم عملي في بيئات ريادية وتعاملاتي مع مشاريع ناشئة، لا أتحمّس كثيرًا للنموذج الذي يُقدّم في منطقتنا تحت عنوان "Startup".
أرى أن النموذج، كما يُطرح في كثير من برامج الدعم، تحوّل من أداة لبناء القيمة إلى مسرح لاستعراض أوهام النجاح السريع.
الإشكال يبدأ من الخلط بين الريادة والتوسع المموّل. كثير من النماذج تركّز على جمع التمويل، لا على حل المشكلات الحقيقية. فتتحوّل بيئة ريادة الأعمال إلى ساحة تدريب على الـ Pitching، بدل أن تكون مختبرًا لتطوير الحلول.
يضاف إلى ذلك تجاهل واقع أسواقنا:
ضعف القدرة الشرائية، غياب المستثمرين الملائكة الحقيقيين، هشاشة التشريعات، وتعقيد بيئات التوزيع. ورغم هذا، يُقدَّم لنا نموذج «وادي السيليكون» كما لو أننا نعيش الواقع نفسه.
في خضم هذا كله، تتحوّل برامج الاحتضان إلى هدف بحد ذاتها؛ ينتقل بعض «الرواد» من مسرّعة إلى أخرى، ومن جائزة إلى جائزة، دون بناء منتج حقيقي أو اختبار جاد في السوق.
في رأيي، رائد الأعمال الحقيقي هو من:
- يقدّم حلاً ملموسًا لمشكلة حقيقية.
- يملك وعيًا سلوكيًا وسوقيًا.
- يبدأ بما هو متاح (Bootstrapping) بدل انتظار التمويل.
- يتعلّم من السوق قبل أن يتعلّم من لجان التحكيم.
لماذا أراهن على الريادة الفردية؟
أؤمن أن مستقبل جزء كبير من الشباب العربي سيكون أقرب إلى نموذج الريادة الفردية (Solopreneurship)، وليس إلى نموذج الشركة الناشئة التقليدية.
أن تكون رياديًا فرديًا يعني أن:
- تبني مشروعك أو خدمتك بإمكاناتك الحالية.
- تبحث عن أول عميل قبل أن تبحث عن أول مستثمر.
- تركّز على القيمة الحقيقية، لا على عدد أفراد الفريق أو حجم المكتب.
هذا ليس خيارًا «رومانسيًا» أو سهلًا، بل خيار واقعي في بيئة تعاني من محدودية الموارد وضعف بنيات التمويل. في المقابل، يفتح الإنترنت أسواقًا عالمية يمكن الوصول إليها بمهارة جيدة وحضور رقمي منضبط.
لكي ينجح هذا النموذج، أرى أن الريادي الفردي يحتاج إلى ثلاث مهارات أساسية:
- تراكم المهارات القابلة للدمج (Skill Stacking): الجمع بين أكثر من مهارة (كتابة، تصميم، تحليل، برمجة، تسويق…) ليتمكن من تنفيذ مشروعه دون اعتماد مبالغ فيه على الآخرين.
- التسويق الذاتي (Self-Marketing): عرض القيمة بوضوح، وبناء حضور رقمي قوي، والتواصل مع العملاء بفعالية.
- الانضباط التنفيذي (Execution Discipline): القدرة على الاستمرار في العمل بدون مدير أو شريك يراقبك؛ أن تكون أنت من يذكّر نفسك بما يجب إنجازه كل يوم.
شخص واحد وأدوات AI… هل يستطيع منافسة فريق كامل؟
إجابتي القصيرة: نعم.
يمكن لشخص واحد يمتلك مهارة مركزية – مثل التصميم، البرمجة، الكتابة، أو التحليل – ويُحسن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، أن ينافس، وأحيانًا يتفوّق، على فريق من عشرة أشخاص.
السبب أنه لا يعمل كمنفّذ تقليدي، بل كـ مدير أدوات:
يسند للذكاء الاصطناعي المهام المتكررة (توليد محتوى أولي، تحليل بيانات، تصميم أولي، أتمتة إجراءات…) ويحتفظ لنفسه بما لا تستطيع الأدوات القيام به: القرار، الإبداع، والاستراتيجية.
في المقابل، تُستنزف الفرق الكبيرة غالبًا في الاجتماعات والتنسيق الداخلي. بينما يستطيع فرد واحد الانطلاق من الفكرة إلى التنفيذ بسرعة، إذا ركّز على الناتج لا على الجهد.
بالنسبة لي، العمل الحر والوظيفة ليسا خصمين؛ كلاهما وسيلة. الخطر يبدأ عندما يتحوّل أي منهما إلى «هوية اجتماعية» بدل أن يبقى أداة نبني بها استقلالنا المالي وحياتنا كما نريد.
الكتابة… معملي المفتوح لصناعة الأفكار
على مدى السنوات الماضية، كتبت أكثر من 500 مقال وعدة كتب.
الكتابة بالنسبة لي لم تكن هواية جانبية، بل معملًا حيًا لتكوين الأفكار وصقلها. عندما نكتب، لا ننقل ما نعرفه فقط، بل نختبر طريقة تفكيرنا.
فرضت عليّ الكتابة الانضباط والبحث؛ فلا يمكن أن أكتب بانتظام من دون قراءة واعية، وتوثيق، ومراجعة مستمرة. ومن خلالها بنيت بصمة رقمية؛ في زمن تُختصر فيه السمعة بروابط، كانت مقالاتي وكتبي تسبقني إلى أماكن لم أصلها بعد.
أرى اليوم أن الكتابة ضرورة لكل من يريد بناء سمعته المهنية، ليس لأن الجميع يجب أن يصبحوا كتّابًا، بل لأن الكتابة أداة تفكير قبل أن تكون وسيلة تواصل.
في عالم سريع ومزدحم بالضجيج، من لا يكتب كأنه لا يفكّر علنًا… ومن لا يفكّر علنًا، يبقى على هامش الحوار والتأثير.
كيف أرى "سوريا الرقمية" غدًا؟
عندما أفكر في سوريا الجديدة، لا أراها فقط من زاوية إعادة الإعمار المادي، بل من زاوية التحوّل الرقمي والمهارات.
أعتقد أن الوصول المتأخّر للتكنولوجيا يمكن أن يتحوّل إلى فرصة استثنائية. بدل أن نعيد بناء الأنظمة القديمة ثم نُجبر لاحقًا على ترقيعها، يمكن أن نبدأ مباشرة من نماذج رقمية حديثة.
أتخيّل سوريا كـ دولة خفيفة رقميًا:
- هوية رقمية.
- سجلات مدنية وعقارية إلكترونية.
- أنظمة دفع رقمية.
هذا يقلل من الفساد، ويُبسّط الإجراءات، ويخفض التكاليف. في هذه الرؤية، يصبح الاستثمار الأساسي في الإنسان والمهارات الرقمية؛ لأن القيمة لا تُخلق فقط من البنى التحتية المادية، بل من القدرة على العمل في الاقتصاد الرقمي، حتى قبل اكتمال الإعمار.
أرى قطاعات عديدة جاهزة للانطلاق عبر التكنولوجيا: - الخدمات الحكومية والبلديات عبر الأتمتة.
- التعليم والتدريب عبر برامج رقمية قصيرة مرتبطة بالسوق.
- الصحة عبر الطب عن بُعد ورقمنة السجلات واستخدام الذكاء الاصطناعي.
- الزراعة عبر حلول الري الذكي وإدارة سلسلة التوريد رقمياً.
- التجارة الإلكترونية والعمل عن بعد والتعهيد (Outsourcing).
في كل هذا، لا أرى التحوّل الرقمي رفاهية، بل أداة أساسية لإعادة بناء اقتصاد أكثر عدالة، ومجتمع أكثر كفاءة.
ماذا أقول للشاب الذي يشعر أن الظروف ضده؟
لو سألني شاب سوري اليوم: «الظروف لا تساعدني… ماذا أفعل؟» لأجبته:
ابدأ من المتاح لا من المنتظَر. الظروف لا تتغيّر أولًا؛ ما يتغيّر أولًا هو السلوك.
فعل يومي بسيط , تعلّم مهارة جديدة، مشاركة معرفة صغيرة، تجربة مشروع جانبي – كفيل بأن يغيّر علاقتك بنفسك وبالعالم مع الوقت.
أرى أن بوابة العبور اليوم تمرّ عبر:
- المهارات الرقمية القابلة للتصدير: تصميم، برمجة، ترجمة، كتابة محتوى، تحليل بيانات.
- مهارات العمل الحر: تقديم العروض، التسعير، التفاوض، تسليم المشاريع، وبناء السمعة.
- فهم وتوظيف أدوات الذكاء الاصطناعي لتحسين الكفاءة والإنتاجية.
أما الأخطاء الأكثر شيوعًا عند دخول عالم العمل الحر فهي: - انتظار لحظة «الجاهزية الكاملة» قبل البدء.
- التسعير الخاطئ وضعف التفاوض.
- إهمال الهوية الرقمية.
- التركيز على الأدوات بدل فهم احتياجات العميل.
لبناء هوية مهنية رغم محدودية الموارد، أنصح دائمًا بثلاث خطوات مستمرة:
- إنتاج معرفي منتظم: كتابة، توثيق، مشاركة.
- تعلّم علني: مشاركة ما تتعلّمه مع الآخرين.
- حضور رقمي منضبط: ملف شخصي مهني واضح على منصة واحدة على الأقل، بدل التشتت في كل مكان.
وأحب أن أختصر خطوة صغيرة قد تغيّر حياة شاب خلال سنة واحدة:
أن يسأل نفسه كل صباح: "ما المهارة التي سأطوّرها اليوم بنسبة 1٪؟"
بعد عام واحد، سيجد أنه بنى رصيدًا معرفيًا وسلوكيًا يصنع الفارق، شريطة وجود الانضباط الذاتي.
محطات صعبة… ودروس لا تُدرَّس في أي قاعة
من أصعب المحطات التي مررت بها كانت توقّف مصادر الدخل بعد انتهاء منحة الدكتوراه.
تجاوزت هذه المرحلة لأنني كنت أُدّخر مسبقًا ما يكفي للعيش سنة كاملة. استخدمت تلك السنة في التعلّم والاستعداد، بحيث أكون جاهزًا عندما تأتي الفرصة. ما نسميه «حظًا» غالبًا هو التقاء الفرصة بمن كان مستعداً لها.
تجربة أخرى غيّرت طريقة تفكيري كانت تأسيس أسرة؛ عندها انتقل تفكيري من نجاح فرد واحد، إلى نجاة جماعية. تغيّر تعريف مصدر الدخل، وتوسّعت دائرة المسؤولية، وأصبح القرار المهني مرتبطًا بما هو أبعد من طموحي الشخصي.
أرى أن كثيرًا من الخرافات تحيط بالعمل الحر والتحوّل الرقمي.
في العمل الحر، أكبر خرافة هي أن الإنسان يصبح «حرًا بالكامل»؛ الواقع أنه قد يتحوّل إلى عبد للزبائن إذا لم يضع حدودًا واضحة.
وفي التحوّل الرقمي، أكبر خرافة هي الخلط بينه وبين الرقمنة؛ تحويل الورق إلى ملفات PDF ليس تحوّلًا رقميًا، بل نقل للفوضى من شكل إلى آخر. التحوّل الحقيقي يبدأ من إعادة تصميم الإجراءات، ثم تأتي الأدوات لتخدم هذا التصميم، لا لتغطي عليه.
ولو عاد بي الزمن عشرين عامًا، لاخترت أن أبدأ أبكر في إتقان اللغة الإنجليزية؛ ليس لأنها لغة «أفضل»، بل لأنها بوابة واسعة للمعرفة والفرص.
فلسفتي الشخصية: الاستقلال شقيق الحرية
إذا أردت تلخيص فلسفتي في جملة، فهي قريبة مما قرأته في كتاب "كيف تعيش" لديريك سيفرز ووجدت نفسي فيه كثيرًا:
كن مستقلًا.
أرى أن كثيرًا من مآسي الحياة تأتي من اعتمادنا المبالغ فيه على الآخرين: على وظيفة واحدة، أو رأي واحد، أو مصدر دخل واحد، أو نموذج حياة واحد.
الاستقلال، بالنسبة لي، هو شقيق الحرية؛ سواء كان تحرّرًا من تبعية شخص، أو تقنية معيّنة، أو مكان واحد، أو مصدر دخل وحيد.
أحاول قدر الإمكان أن أبتعد عن كل ما يجرّني إلى تبعية غير ضرورية:
أن أتخفف من التقاليد والعادات التي لا أؤمن بها،
أن لا أسمح للأخبار السياسية والرياضية بأن تسرق كل مساحة ذهني،
وأن أحافظ على مساحة هادئة للتفكير والقراءة والاختيار.
أما الرسالة التي أود أن تبقى في ذهن من يقرأني أو يحضر تدريباتي، فهي آية أعتبرها تلخيصًا بليغًا للفارق بين الضجيج وما يبقى:
﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً، وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾
في النهاية، ما ينفع الناس هو وحده الذي يبقى.
هذا المقال منشور ضمن سلسلة "بصمة ريادية" على ريادة بلس.