حازم عبدالله، من فضول البرمجة إلى بناء منظومات ذكاء اصطناعي تواجه التزوير
التاريخ: 2026-02-15
الضيف: حازم عبدالله

مع بدايات عام 2000، كنت منجذبًا بشكل طبيعي إلى عالم التكنولوجيا. بدأت بتجارب برمجية بسيطة، خصوصًا في مجال برمجة الألعاب الصغيرة كهواية. كانت تلك التجارب بالنسبة لي مساحة للفضول واللعب، أكثر من كونها تخطيطًا لمسار مهني.
في تلك المرحلة لم يكن لدي إدراك واضح لمفهوم الذكاء الاصطناعي، إلى أن تعرّفت عليه لأول مرة بين عامي 2005 و2006 خلال دراستي الجامعية. كان هذا العنوان جديدًا، غامضًا، ومليئًا بالأسئلة. بدأت أبحث وأسأل وأقرأ، ومع الوقت تحوّل الفضول إلى قناعة حقيقية، واتخذت قرار التخصص في هذا المجال.
لم يكن القرار سهلًا؛ فقد واجهت تشكيكًا من الأهل، وبعض الخبراء، وحتى من بعض الأساتذة في الجامعة، إذ كان يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي آنذاك على أنه تخصص غير واضح المعالم وفرصه محدودة.
بعد استخارة الله عز وجل، قررت المضي قدمًا، مدفوعًا بإيمان داخلي بأن المستقبل سيكون مرتبطًا بشكل مباشر بالذكاء الاصطناعي. هذه كانت نقطة الانطلاق الحقيقية في مسيرتي.
بناء النفس قبل دخول الريادة
لا أؤمن بوجود محطة واحدة فاصلة، بل سلسلة من المحطات المتراكمة. مساري لم يكن المسار التقليدي لرواد الأعمال الذين يبدأون حياتهم مباشرة بالمشاريع الناشئة. كنت مؤمنًا بأن دخول عالم ريادة الأعمال دون خبرة عملية حقيقية مخاطرة كبيرة، لذلك فضّلت أن أبني نفسي مهنيًا أولًا.
بدأت كمدرّس جامعي، ثم كمبرمج في شركة، ثم تطورت في العمل وأصبحت قائد فريق تقني، وبعدها مديرًا لعدة فرق، قبل أن أنتقل تدريجيًا من الجانب التقني البحت إلى دمج التكنولوجيا مع عالم المال والأعمال والاستثمار.
- التدريس علّمني تبسيط المعلومة.
- البرمجة علّمتني الانضباط.
- قيادة الفرق علّمتني التعامل مع البشر.
- والاقتراب من المال والأعمال علّمني الواقع.
ثم بعد سنوات طويلة من العمل، المراقبة، الفشل، والتعلّم، شعرت أنني أصبحت مستعدًا لبدء رحلتي الريادية، مستندًا إلى فهم عميق لكيف تُدار الشركات من الداخل، لا من النظريات فقط.
التحول إلى رائد أعمال… كما هو في الواقع
حياة رائد الأعمال ليست كما تُصوَّر على وسائل التواصل الاجتماعي.
فبدلًا من العمل 8 ساعات يوميًا بحياة مستقرة وراتب مستقر، تجد نفسك تعمل 12 إلى 16 ساعة دون إجازات أو عطل. وبدل وجود مدير واحد، تصبح محاطًا بمستثمرين، عملاء، شركاء، ومدراء، لكل منهم توقعاته وضغوطه، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
هذا الطريق يتطلب تضحيات كبيرة: مادية، نفسية، وصحية أحيانًا. وفي لحظات كثيرة تسأل نفسك بصدق: هل يستحق الأمر كل هذا؟ خصوصًا أن ثمار الجهد قد لا تُقطف إلا بعد 5 أو حتى 10 سنوات، مع احتمال فشل قائم في أي لحظة.
نسبة الفشل عالية جدًا، والقلة فقط تصل إلى النجاح، والنسبة النادرة هي التي تحقق الإنجازات الكبيرة.
ورغم كل ذلك، هناك شعور عميق بالمعنى لا يمكن أن تمنحه أي وظيفة تقليدية؛ شعورك بتغيير المجتمع أو لعب دور مهم في بناء بعض الاقتصادات أو تغيير حياة الناس للأفضل.
الفرق بين المنتج والشركة
بناء منتج تقني قوي يعني التركيز على حل مشكلة حقيقية بجودة عالية وأداء ممتاز.
أما بناء شركة تقنية مستدامة، فهو بناء نظام متكامل قادر على تحويل هذا الحل إلى قيمة مالية متكررة ومستقرة.
ربما نرى العديد من المنتجات القوية تقنيًا بأفكار مميزة، لكنها تفشل تجاريًا لأسباب متعددة. في المنتج، يكون التفوق في الخوارزميات والمعمارية، أما في الشركة، فالتفوق يكون في فهم السوق، التسعير، التوزيع، وبناء الثقة، إلى جانب المنتج نفسه.
رأينا منتجات مذهلة تقنيًا، لكنها اختفت لأن أحدًا لم يفكر كيف تُباع أو لمن.
المنتج يمكن أن ينجح بفريق صغير أو حتى شخص واحد، بينما الشركة يجب أن تعمل كنظام متكامل لا يتوقف بغياب المؤسس.
من وجهة نظري، المنتج القوي شرط أساسي للنجاح، لكن الاستدامة الحقيقية لا تتحقق إلا عندما يصبح هذا المنتج جزءًا من شركة تعرف كيف تبيع، وتستمر، وتنمو.
الذكاء الاصطناعي… والتحقق من التزوير
نحن اليوم لم نعد في مرحلة التحقق من الهوية فقط، بل انتقلنا إلى مرحلة التحقق من التزوير وبناء منصات حيوية متكاملة. نعيش في عصر يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي توليد صور، فيديوهات، وهويات تبدو حقيقية جدًا، بما في ذلك جوازات السفر والوثائق الرسمية.
عملنا يشبه معركة مستمرة بين الفيروس ومضاد الفيروس. كلما تطورت أدوات التزوير المعتمدة على الذكاء الاصطناعي وغيرها، تطورت أدواتنا لاكتشاف الوجوه المولدة، والهويات المزورة، ومحاولات الاحتيال.
في هذا السياق، نحن لا نبني مجرد منتج، بل نبني منظومة متكاملة يمكن وصفها بأنها Amani OS، نظام تشغيلي لمكافحة التزوير يواجه هذا التحدي المتغير باستمرار.
خطأ شائع في عالم الذكاء الاصطناعي
استخدام الذكاء الاصطناعي لا يعني امتلاك الذكاء الاصطناعي.
أكثر الأخطاء شيوعًا هو عدم الفهم الحقيقي له. يعتقد البعض أن ربط منتج جاهز أو واجهة مع نموذج مثل GPT يعني أنهم بنوا نموذج ذكاء اصطناعي خاصًا بهم، وهذا مفهوم خاطئ تمامًا.
الذكاء الاصطناعي ليس مجرد استخدام أداة، بل فهم عميق للبيانات، النماذج، القيود، والمسؤوليات المترتبة على استخدامها.
القيادة التقنية وبناء الفرق
دور الـ CTO يختلف جذريًا من شركة لأخرى، ويتغير مع عمر الشركة. ففي المراحل الأولى، قد يكون هو من يكتب الكود ويبني المنتج بنفسه، ومع مرور الوقت يتحول دوره تدريجيًا نحو الاستراتيجية، الرؤية، وبناء الفرق.
بناء فريق تقني قوي يبدأ بالقيم قبل المهارات.
توثيق كل شيء مهما كان بسيطًا، وتوفير بيئة آمنة نفسيًا وإنسانيًا للموظفين، وعدم الحكم على الأشخاص بناءً على اللغة أو المكان أو العرق أو الجنس، بل على القيم والقدرات التقنية.
كما أؤمن بأهمية الاستثمار في المتدربين والخريجين الجدد؛ فالكثير من الشركات تبحث فقط عن أصحاب الخبرة العالية، وتنسى أن هناك آلاف الخريجين المتعطشين للتعلم، والذين يمكن أن يشكلوا قيمة كبيرة على المدى الطويل إذا أُعطوا الفرصة.
لحظات الشك… ولماذا الاستمرار
لم يمر يوم تقريبًا دون أن أفكر في ذلك.
في كثير من الأحيان، أتمنى العودة إلى حياة الموظف: دوام من 8 إلى 5، إجازات، عطلات نهاية أسبوع، ومهام واضحة ومحددة. ولماذا رفضت عروضًا من شركات كبرى مثل ميتا وجوجل وغيرها.
لكن مع كل شك، كنت أعود لأذكّر نفسي بسبب اختياري لهذا الطريق، وبالقيمة التي أحاول بناءها على المدى الطويل، ولأنني أردت بناء شيء يحمل بصمتي.
سوريا… بين الكفاءات والرؤية
من المهم التمييز بين الكفاءات والقادة. سوريا تزخر بالكفاءات التقنية العالية، لكنها تعاني من نقص في القادة وأصحاب الرؤية.
وجود خبير أو مهندس متميز لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على الإدارة، التخطيط، أو رسم رؤية واضحة.
دور الحكومات يتمثل في وضع القوانين والأنظمة، لكن من يبني الدول تقنيًا هم القطاع الخاص، عندما يعمل باستقلالية ووضوح.
سوريا اليوم أرض خصبة للفرص التقنية، خاصة في مجال الذكاء الاصطناعي. هذا الواقع يحمل مخاطر مرتفعة، لكنه في المقابل يفتح المجال لمكافآت أكبر لمن يجرؤ على المحاولة. لكن هذه الفرص تتطلب صبرًا مضاعفًا وبنية نفسية أقوى من المتوسط.
نصيحتي
ريادة الأعمال قرار حياة، وليست تجربة مؤقتة. كما أن ريادة الأعمال ليست طريقًا سريعًا للثراء كما يُروَّج لها على وسائل التواصل الاجتماعي.
لا أنصح بترك الوظيفة المستقرة أو الدراسة الجامعية بشكل متهور. أنصح بإكمال الدراسة إن أمكن، والعمل ضمن شركة حقيقية لاكتساب الخبرة وبناء شبكة علاقات قوية.
ابدأ مشروعك الخاص بالتوازي مع عملك، وعندما يصل دخله إلى نصف راتبك على الأقل، عندها فقط فكّر بالاستقالة والتفرغ الكامل.
النجاح لا يتطلب دائمًا فكرة غريبة أو غير مسبوقة؛ أحيانًا يكون تبنّي فكرة ناجحة وتخصيصها للسوق المحلي وتقديمها بجودة أعلى هو الطريق الأذكى.
والتسعير الصحيح، وليس الأرخص، هو أحد أهم مفاتيح النجاح