أحمد نحّاس | من "حربوء" إلى الكتابة عن ريادة الأعمال
التاريخ: 2025-08-24
الضيف: احمد نحاس

في هذه الحلقة من "بصمة ريادية"، نسلّط الضوء على رحلة رائد أعمال سوري قرر أن يعود من تجارب إقليمية إلى السوق السوري، ليبني مشروعًا ويكتب تجربته في كتاب يوثق تفاصيل الريادة في أصعب الظروف. هنا، يشاركنا أحمد قصته بصوته، من البدايات وحتى رؤيته لدور الريادة في بناء سوريا الجديدة.
هوية أحمد نحّاس
أنا قبل أي شيء "بيّاع" و"حلّال مشكلات"؛ أبحث عمّا يعطّل حركة الناس أو الشركات ثم أبني نظاماً يتجاوز هذا العطل. حين أسّست "حربوء" كنت أحاول جعل بضائع الأسواق الشعبية في متناول أهالي الأرياف والمدن الصغيرة، وحين شرعتُ في كتابة كتابي أردت سدّ فجوة خطِرة في المحتوى العربي حول ريادة الأعمال في سوريا. لذلك أرى نفسي اليوم مزيجاً من رائد أعمال يهوى التجريب، وكاتب يوثّق الدروس، ومغامر لا يخشى العمل في أسواق مضطربة.. وكلّها وجوه لهدف واحد: إيجاد حل ذكيّ لمشكلة واقعية ثم مشاركته مع الآخرين.
البدايات الريادية خلال سنوات الثورة
بدأ الأمر بعد أن أمضيت عامين في تركيا من عام 2015 وحتى 2017 وكنت قد عملت في عالم ريادة الأعمال هناك وقد شهدت حينها تجارب ملهمة مثل يميك سيبيتيه وهيبسي بورادا وترنديول. لذا فقد بدأ الأمر كله بسؤال،"هل يمكن لريادة الأعمال أن تزدهر في بيئة غير جاهزة مثل سوريا؟" ظلّ يلاحقني. كنت أحمل خبرة في التسويق والمبيعات من مصر وتركيا وماليزيا، لكنني عدت إلى سوريا عام 2017 لأختبر الجواب عملياً. أطلقتُ تطبيق "حربوء" للتجارة الالكترونية سنة 2017 بدأنا أنا وشريكي بفريق صغير من مكتب صغير في البحصة، مدفوعاً بإيمان أنّ الفرص تولد وسط الفوضى إذا وُجدت الإرادة والإدارة.
التحديات الأمنية والخوف المستمر
في الحقيقة نعم. كنت من أوائل مَن نزلوا إلى الشارع للتظاهر أول أيام الثورة، وبسبب ذلك اعتُقلت في 1 أبريل 2011. بعد عودتي إلى سوريا عام 2017 صار الخوف رفيقي؛ كلما لمعت علامة "حربوء" أكثر بعد 2020 كانت تراودني بعض دقائق الخوف في أن أجهزة الأمن ستبدأ في النبش ورائي لمعرفة من خلف حربوء. ولكن كان كل شيء يتلاشى بعدها فور رجوعي الى العمل عند كل صباح.
الكتاب وتوثيق السوق السوري
في الحقيقة، لم يكن هدفي أن أكتب سيرة ذاتية بطولها وعرضها "حيث وبصراحة أجدها ما زالت في أولها"، بقدر ما أردت فتح الصندوق المغلق الذي اسمه السوق السوري. هذا الصندوق الذي لو نظرتَ إليه من الخارج لرأيته عاديًا متأخراً عشرات السنين عن أقرب سوق إليه "لبنان مثلاً"، لكن حين تفتحه تجد العجب: شركات تولد تحت القصف، مبرمجون يكتبون الأكواد على بطاريات السيارات، تجار يغامرون برؤوس أموالهم في وقتٍ كان الدولار يتقلب فيه كل صباح مثل ميزان حرارة مكسور.
كنتُ أريد أن ألتقط هذه التفاصيل قبل أن يبتلعها النسيان. أن أوثق كيف استطاع رواد الأعمال أن يجدوا لأنفسهم موطئ قدم في سوقٍ لا كهرباء فيه ولا استقرار، كيف كانت علاقاتنا مزيجًا عجيبًا من المنافسة والتكاتف، وكيف انتقلت ثقافة الريادة من فكرة مُستَوردة إلى حل ضروري.
في الحقيقة لم أفكر ما هو الصدى الذي سيحدثه الكتاب، ولكن عادةً الكتب ليست لديها مكانةً عالية في وطننا.. أنا فقط أريد توثيق تلك المرحلة لمن هو مهتم أن يعرف. والأهم، أردت أن يكون هذا التوثيق رسالة واضحة لكل من يعيش خارج سوريا: هنا كان هناك بشرٌ يحلمون، ويجربون، ويسقطون، ثم ينهضون… حتى لو ظنّ العالم كله أنهم انتهوا.
رؤية لسوريا الجديدة ودور الريادة
أنا مقتنع أن ريادة الأعمال ليست مجرد تجارة ولا بحث عن ربح سريع، بل هي مدرسة جماعية نعيد من خلالها تدريب مجتمع كامل على مهارات جديدة وطريقة تفكير مختلفة. حين تؤسّس ستارت-أب في سوريا، فأنت لا تبيع خدمة وحسب، بل تدخل مستهلكين جدد في العالم الالكتروني وتعلمهم على النظم التقنية والدخول العالم التقني.
تخيل معي لو انتشر هذا المفهوم كعدوى حميدة: كل رائد أعمال يعلّم عشرات الموظفين، وكل موظف يعلّم عائلته وأصدقاءه استخدام المواقع وطلب عبر الانترنت وأنظمة تنظيم المهام والبرامج على الانترنت. خلال سنوات قليلة فقط، ستجد أن مليون شخص صاروا معتادين على استخدام التكنولوجيا في حياتهم اليوميّة وتجريب الأدوات الحديثة لحل مشكلاتهم.
هذه ليست رفاهية ولا ترفًا حضاريًا. في بلد عانى من التدمير والتهميش لعقود، الريادة قد تكون خط الدفاع الأسرع للبناء ضد اليأس الجماعي. لأنها تمنح الناس شيئًا نادرًا جدًا: الشعور بأنهم قادرون على السيطرة على جزء من حياتهم، مهما كانت الظروف.
رسالة للشباب الريادي في سوريا الجديدة
اجعل كل يوم انه يومك الاول اعمل بنفس الطاقة اليوم الاول.
كونوا "أولاد السوق" فعلًا، لا مجرد زوار عابرين. اجلسوا مع الناس، اسمعوا قصصهم، انتبهوا لتفاصيل صغيرة قد لا يلاحظها أحد. لا تتعجلوا نقل النماذج الجاهزة من الخارج وتطبيقها كما هي (وقد وقعت في هذا الخطأ سابقاً وقد كلفني الكثير). ما ينجح في برلين أو سان فرانسيسكو قد يكون بلا قيمة هنا إذا لم يمرّ عبر فلتر ثقافتنا واحتياجاتنا بشكل أوّلي.
تذكّروا دائمًا: الريادة ليست استعراض ذكاء أمام الناس بل بحث صادق عن ما يفيدهم حقًا. وكلما أحببتم هذا المجتمع بصدق، صرتم أقدر على فهمه وصناعة حلول تشبهه. ولا تجعلوا الخوف من الفشل أو من العيون المراقبة يربط أيديكم. لو بقينا طوال الوقت نحسب كم خطوة مسموح لنا أن نخطوها قبل أن يُنهرنا أحد، فلن نتقدّم أبدًا. اجعلوا سقفكم عاليًا، ولا تخجلوا من أن تكبروا وتنجحوا وتظهروا.
وفي النهاية، هذه البلد تستحق جيلًا شجاعًا لا يخشى أن يقول: نحن هنا لنغيّر، لنبتكر، ولنبني مستقبلًا يليق بنا جميعًا.
🔚 هذه المادة نُشرت ضمن سلسلة "بصمة ريادية" من ريادة بلس.
شكرًا لـ أحمد نحّاس على مشاركته الصادقة والمُلهمة.